اجبروا على العمل بالجنس بالعنوة في لبنان و السبب ؟

 



“ما حدا جابرها (أجبرها)”، “كان فيها تشتغل غير شي”، “باعت شرفها”. هذه عينة من الأقوال التي تسمعها عندما يُفتح موضوع النساء العاملات في الجنس أو “الدعارة” كما يصطلح على تسميته في القانون اللبناني، كما في الثقافة الشعبية.

وهو الموضوع الذي لا يزال موضع جدل ونقاش كبيرين، خصوصاً في الأوساط النسوية والحقوقية. فبين من يدعم حق النساء بممارسة العمل في الجنس باعتباره مهنة مع المطالبة بتشريعها وتنظيمها وكفالة آليات حماية لهنّ، وبين من يرى فيه استغلالاً وعنفاً واتجاراً متجذراً في الثقافة الأبوية التمييزية ضد النساء والفتيات.

يتناول هذا المقال قضية الإجبار على العمل في الجنس الذي تقع ضحيته نساء من الأكثر تهميشاً في لبنان ومن بينهن اللاجئات والعاملات المهاجرات.

لكن خلف التبرج والابتسامة المرغمة التي تعيشها هؤلاء النساء، قصص لا يعرفها الناس مليئة بالألم والعذاب، قصص تشبه قصة جيجي.

لم تنم جيجي تلك الليلة من كثرة تفكيرها في ما تحمل لها رحلتها إلى لبنان. “غداً أبدأ حياةً  جديدة وكريمة مع طفلي”. كل ما أرادته هو الهروب من الفقر الذي تعيشه في أوكرانيا. لكن سرعان ما انطفأت أحلامها عندما وصلت إلى مطار رفيق الحريري الدولي. أخذ منها جواز سفرها وسلّم (كما عرفت لاحقاً) إلى صاحب أحد الملاهي الليلية في منطقة جونية-المعاملتين. أخضعت لفحوصاتٍ طبية لكشف إذا كانت تعاني من أمراضٍ منقولة جنسياً أو إذا كانت حامل. ثم وضعت في غرفة ومنعت من الخروج قبل صدور النتائج. وفي الساعة 72، قيل لها: “إفرحي، ليست لديكِ أي مشكلة. ستبدأين عملك اليوم”.

لم يكن العمل الذي ينتظرها هنا له أي صلة بعمل عارضات الأزياء كما وُعدت. تمردت ولم ترضخ للأوامر  فكان نصيبها الضرب والتجويع. وحين طالبت بالعودة إلى بلدها، قيل لها إنه عليها أن تسدد تكاليف “استقدامها” كاملةً. فأجبرت على ممارسة أعمال جنسية لا تريد القيام بها، واضطرت إلى مجالسة زبائن الملهى حتى ساعات متأخرة من الليل. وإذا أعجب بها أحدهم يدفع للملهى ويقلها في اليوم الثاني في ساعات فراغها. لم يشبه أي زبون الآخر، وكان لكل واحد منهم رغبات مختلفة منها ما هو غريب ومخيف. لكنها لا تحمل الخوف معها فقط على “سرير عملها” فهي حذرت مراراً من القبض عليها ومواجهة مصيرها في مخفر حبيش. حياة جيجي مقيدة بيد هؤلاء الأشخاص، وكأنها مخطوفة. لا يسمح لها بالخروج ولا التحدث مع أحد. وهي قصة من القصص العديدة لضحايا الاتجار بالبشر في لبنان.

وتكشف مصادر من الأمن العام اللبناني أن أكثر من 5 آلاف من النساء تعملن في هذه المهنة تأتي معظمهن من بلدان أوروبا الشرقية.

وبحسب دراسة أجراها مكتب الأمم المتحدة المختص بالمخدرات والجريمة الدولية في بيروت بالتعاون مع وزارة العدل اللبنانية عام 2008، فإن عدداً كبيراً جداً من ضحايا الاتجار بالبشر والإجبار على العمل الجنسي يأتين من بلادٍ فقيرة هارباتٍ من البؤس على أساس أنهن سيعملن كراقصات أو عارضات أزياء مقابل مبلغ لا يمكن أن يجمعنه في بلدهن. صحيح أنهن يوقعن على عقد عمل لكنه مكتوب باللغة العربية ما يعني أنهن لا يفهمن مضمونه.

لكن الأوروبيات لسن وحدهن المستهدفات. فاللائحة تتضمن نساء أثيوبيات وسودانيات ومن جنسيات أخرى عدة، اللواتي كن عاملاتٍ منزليات وهربن من بيوت كفلائهن  ليقعن ضحايا لعصابات ترغمهن على اعمل في الجنس. . كما أن النساء والفتيات اللبنانيات واللاجئات السوريات، اللواتي يتعرضن  لذلك بسبب هشاشة وضعهن، يشكلن نسبة كبيرة من ضحايا الاتجار بالبشر والإرغام على العمل في الجنس.

وبحسب أرقام وإحصاءات المديرية العامة للأمن العام، فإن عدد النساء السوريات التي قبض عليهن بتهمة العمل في الجنس بين عامي 2011 و2018، مرتفع جداً. فشكلن نسبة 30% من الموقوفات. ليصل هذا الرقم إلى 69% بعد سنتين فقط، ثم 77% عام 2015، وبلغ 57% عام 2018.

أما وفقاً للعمل الذي أجرته جمعية “كفى عنف واستغلال” مع الموقوفات في مخفر حبيش، فإن نسبة السوريات الموقوفات بقي مرتفعاً ليصل إلى 60 و65% من عددهن الإجمالي. ما يعني أنهن  يشكلن أكثر من نصف عدد الموقوفات.

تتحدث جولي الخوري، منسقة البرامج في وحدة الاتجار بالبشر في جمعية كفى، عن الخصائص المشتركة بين ضحايا الاتجار بالبشر والإرغام على العمل الجنسي. فقالت إن “معظم هؤلاء النساء يعشن في ظروف مادية واجتماعية صعبة جداً قبل عملهن في هذا المجال”.

وأضافت أنه “إجمالاً تكون هؤلاء  النساء أو الفتيات في عمرٍ صغير وقاصرات. بعض الفتيات تأتين من خلفية عائلية مليئة بالعنف الجسدي أو الجنسي من قبل العائلة أو من أفراد غرباء. أما في وضع اللاجئات أو المهاجرات، فغالباً ما تكون أوضاعهن القانونية مثل صعوبة الحصول على أوراقٍ قانونية أو إقامات أو غيرها، ومستواهن التعليمي المتدني وصعوبة إيجاد عمل أو مسكن لفترة طويلة وتراكم الديون، هي من العوامل التي تعرضهن ليصبحن ضحايا هذا العمل”.

فما هو تعريف الاتجار الجنسي في القوانين العالمية؟

الإجبار على العمل في الجنس هو أحد أنواع الاتجار بالبشر. وتعرف عنه المادة “3 أ” من بروتوكول الاتجار بالأشخاص على أنه “تجنيد أو استخدام الأشخاص من دون موافقتهم/ن أو بالقوة لاستغلالهم/ن بطرقٍ عدة من بينها مجال الدعارة أو الأعمال الجنسية”. ويعتبر لبنان، بحسب جولي الخوري “مصدراً ومقصداً  للاتجار الجنسي بالبشر. وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة محظورة ومجرمة، تنتشر في السوبر نايت كلوب هذه البيوت المغلقة وعبر الانترنت وفي أماكن التدليك، أو حتى في الشوارع”.

بينما أقر “قانون الدعارة” في لبنان عام 1931 في عهد الانتداب الفرنسي لتلبية رغبات الجنود. وهو يسمح بالترخيص للنساء ولبيوت العمل الجنسي. إلا أن هذا القانون يبقى حبراً على ورق، إذ إن آخر رخصة أعطيت عام 1977، ما يعني أن كل من يعمل اليوم في هذا المجال غير مرخص.

وصدر عام 2011 قانون رقم 164 الذي يعاقب كل من يعمل في الاتجار بالبشر، ومن يطلب من الضحايا ممارسة العمل الجنسي مقابل منافع مادية أو غيرها. وتشمل العقوبة السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات، وغرامة تتراوح بين 100 ضعف و200 ضعف الحد الأدنى للأجور. أما إذا تمت هذه الأفعال باستخدام العنف أو الخداع أو التهديد أو غيرها من أنواع الضغط على المجني عليه/ا، فتصبح العقوبة السجن لمدة سبع سنوات.

لكن، بحسب ما قالت الخوري لموقع “شريكة ولكن” فإن “هذا القانون ليس فعالاً ولا يهدف إلى حماية الضحية وتشديد العقوبة على مرتكبي الجريمة. والدليل الأكبر على عدم فعاليته هي قضية الملهيان الليليان Chez Maurice” و”Silver”. حين قبض على ما يعتبر “أكبر وأخطر شبكة اتجار جنسي بالبشر  في لبنان”. وتتألف من نحو 75 فتاة معظمهن من اللاجئات السوريات أو فتيات تم إحضارهن  من سوريا والعراق بطرقٍ مختلفة”.

في التحقيقات التي جرت حول هذه القضية، أكدت الفتيات أنهن تعرضن لأسوأ أنواع الضرب والاحتجاز والتعذيب، كما أن معظمهن خُدِعن للعمل في هذا المجال بعد أن وعدن بوظائف “شريفة”.

تعود هذه القضية إلى العام 2011، حين داهمت الشرطة المكان لأول مرّة من دون اتختاذ إجراءات. ثم تم الكشف عن الشبكة عام 2016. لكن ما زالت هذه القضية حتى اليوم قيد المعالجة في المحاكم. ولم تتلق الضحايا أي حماية. كما أن التجار والمستغلين لم يعاقبوا كما توعد القانون. فبحسب قناة  LBCIأخلي سبيل شريك مالك الملهيين عام 2017، بعد عامٍ من الفضيحة الكبرى بكفالة مالية قدرها 20 مليون ليرة.

بين عامي 2011 و2016، خمس سنوات عرفت فيها أجهزة الدولة بهذه الشبكة التي تعمل في هذين الملهيين، ولم تتخذ أي تدابير قبل أن يسلّط الإعلام أضواءه على فضيحة الـ75 رهينة. فهل من حماية سياسية وأمنية لهذه الشبكة؟ مع العلم أن المالك كان موقوفاً لمدة 3 أشهر بينما العمل لم يتوقف؟

يذكر مقال لهديل فرفور في جريدة الأخبار أنه بحسب إفادات بعض المطلعين والفتيات المحررات، كان يقفل عدداً كبيراً من الملاهي بالشمع الأحمر لمدة يومين أو أقل. وعندما كانت الأجهزة المعنية تقوم بتوقيف أحد أعضاء الشبكة أو فتيات يجبرن على العمل في الجنس كان يفرج عنهم/ن من دون إنهاء الإجراءات أو التحقيقات ومن دون توفير الحماية للفتيات.

وتجرم المادة 523 من قانون العقوبات بالتساوي الضحية ومن يجبرها على هذا العمل، وبالطريقة نفسها. أي أنه بحسب القانون، النساء  المستغلات تحاسب مثل صاحب الملهى أو رئيس الشبكة المستغل. لكن الضحية لا تخضع لقانون الاتجار مثل “تجّار البشر”. ونرى أن اللوم يلقى دائماً عليها وعلى المرتكب الأول للجريمة، متجاهلاً تماماً من يطلب هذه  الخدمات الذي يعتبر العنصر الرئيسي في هذه الحلقة. فتلبية رغباته هي أساس هذا الاتجار. وإذا إن كان القانون لا يطبق كما ذكرت الخوري، بينما يستمر توقيف الضحية، فهل هذا يعني أنها هي المذنبة في هذه “التجارة المربحة”؟

إذن، من يحمي ضحايا الاستغلال الجنسي؟

هذا الدور من نصيب الجمعيات والمنظمات غير الحكومية التي تتدخل لتوفير الحماية لهن من هذا الاستغلال. كما تحمي ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومن بينهن جمعية كفى التي تؤمن كافة الدعم والخدمات للنساء ضحايا الاستغلال الجنسي مثل تأمين مركز إيواء وتقديم خدمات اجتماعية وصحية ونفسية وقانونية وفرص تمكين وبناء قدرات.

قد يتناول هذا المقال بالأرقام والحقائق موضوع ضحايا الاتجار بالبشر والإجبار على العمل الجنسي في لبنان. لكن تبقى القصص الحقيقية هي الأكثر ألماً. تبقى جيجي وغيرها من النساء هن من يتألمن في سجنهن الذي فرضه عليهن رجلين؛ واحد يهوى المال والعنف والسلطة، وآخر لا يرى في النساء إلا ما يلبي شهواته الجنسية، وبأي ثمنٍ كان.


Source : rt Arabic

The true Method - American Media

lion Media lion productions , media publisher , magazitta staff

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال